آداب و طقوس مراسم العزاء لدى الإيرانيين
المقدمة
الموت في الثقافة الإيرانية القديمة لا يُعتبر نهاية، بل عبورًا إلى عالم آخر. هذا المفهوم أدى إلى تشكّل مجموعة من الطقوس والممارسات الخاصة بمراسم العزاء، والتي تستند إلى المعتقدات الدينية، التقاليد القبلية، والمشاعر الإنسانية. هذه المراسم، بالإضافة إلى مواساة قلوب الأهل والأحبة، تُعد وسيلة لإظهار الاحترام للمتوفى ومواكبة الأسرة المفجوعة.
في هذا المقال من «إيران اليوم»، سنستعرض ثقافة وعادات الإيرانيين المتعلقة بوفاة أحبائهم.
نظرة الإيرانيين القدماء إلى الموت والعزاء بعده
طقس "سووشون" يُعتبر من أهم وأشهر طقوس الحداد لدى الإيرانيين القدماء، وقد ذُكر في كتاب شاهنامه للشاعر الإيراني الكبير فردوسي. بعد مقتل سیاوش – البطل الإيراني – غمر الحزن إيران، وبكى الإيرانيون عليه لعدة أيام وأقاموا مراسم حداد على مظلوميته. كما يقول هيرودوت، المؤرخ اليوناني، إنه بعد وفاة زوجة كوروش – الملك الإيراني – أُقيم حداد عام وشامل لها، وهو أمر لم يكن بعيدًا عن طقوس سووشون. باختصار، من أبرز سلوكيات العزاء لدى العائلات المفجوعة في إيران في الماضي كانت: نحيب النساء، الصراخ والبكاء، تمزيق الملابس، رمي التراب على الرأس، خدش الوجه، ولعن القدر. وما زلنا اليوم نشهد بعض هذه الممارسات في بعض المناطق.
المراحل الرئيسية لمراسم العزاء لدى الإيرانيين
1_الدفن (الجنازة):
هذه المرحلة هي أول وأهم خطوة مباشرة بعد الوفاة.
- الغسل والكفن: يُغسل جسد المتوفى وفقًا للطقوس الإسلامية – وهو الدين السائد بين الإيرانيين – ويُلف بالكفن الأبيض.
- صلاة الجنازة: قبل الدفن، تُقام صلاة الجنازة جماعيًا، وتمثل وداع المتوفى بالدعاء.
- موكب الجنازة: يشارك أفراد الأسرة والأصدقاء والمعارف في وداع المتوفى الأخير. في الماضي كان هناك ترتيل للنواح، أما اليوم فغالبًا ما يكون الوداع بصمت مع تلاوة القرآن.
- الدفن: يُدفن الجثمان في المقبرة، وعادةً يُرمي على القبر بعض الزهور، ويُقرأ فاتحة (سورة من القرآن الكريم) للمتوفى.
2_مراسم العزاء في المنزل أو المسجد (مكان العبادة الإسلامي):
بعد الدفن، يستقبل ذوو المتوفى المعزين. تُقام هذه الجلسات غالبًا بشكل بسيط ومحترم. يُوضع القرآن الكريم في مكان مناسب ضمن المجلس، وتُعلق صورة المتوفى مع شريط أسود. عادةً ما يُستقبل الضيوف بالشاي، العصائر، القهوة، التمر، والحلوى التقليدية الخاصة بمراسم العزاء.
الجزء الثاني: مراسم الذكرى الرئيسية (إحياء ذكرى الموتى)
تُقام هذه المراسم تقليديًا في أيام محددة، وتُعد من أهم طقوس الحداد لدى الإيرانيين، ويتم الإعلان عنها عادةً من خلال نشر إعلانات في منطقة سكن المتوفى وأقربائه.
1_مراسم اليوم الثالث: تمثل هذه المراسم عبور الصدمة الأولية وبداية الحداد الرسمي، وتُقام في اليوم الثالث بعد الوفاة، وغالبًا تتضمن تلاوة القرآن، الدعاء، والخطب الدينية. 2_مراسم اليوم السابع: تُعد من أهم طقوس العزاء، وتُقام في اليوم السابع بعد الوفاة. وفقًا للعقيدة الإيرانية، يظل روح المتوفى في مرحلة الانتقال حتى اليوم السابع. عادةً ما تُقام هذه المراسم بشكل أكثر فخامة، ويُوزع الخير مثل الطعام أو الحلوى بين الحاضرين والمحتاجين، وتُعتبر الحلوى ("حلوا") من الصدقات التقليدية الشائعة جدًا.
3_ مراسم الأربعين (اليوم الأربعون): تُقام في اليوم الأربعين بعد الوفاة، وتمثل نهاية فترة الحداد الشديد للعائلة. في المعتقدات الدينية، يرتبط اليوم الأربعون بانتقال الروح من مرحلة معينة. تشبه هذه المراسم مراسم اليوم السابع، لكنها غالبًا تُعتبر نقطة محورية للعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية.
4_مراسم الذكرى السنوية: تُقام الذكرى السنوية في أول سنة بعد الوفاة، ثم بشكل سنوي بعد ذلك، بهدف تكريم ذكرى المتوفى. تُظهر هذه المراسم أن الشخص العزيز الذي فقد لم يُنسى أبدًا. غالبًا ما تكون هذه المراسم عائلية، وتقتصر على زيارة قبر المتوفى وتقديم الصدقات والخيرات.
القسم الثالث: العادات والتقاليد المحلية والإقليمية في إيران
تختلف مراسم العزاء في إيران باختلاف البيئة والثقافة لكل منطقة، وفيما يلي أبرز هذه الاختلافات: 1_السكان الأذريون: قد يقيمون مراسم تُعرف باسم "ياس"، ويتم إعداد أطعمة محلية مثل الحليم كصدقة أو نذر للمتوفى.
2_السكان الأكراد (المناطق الغربية مثل كردستان، كرمانشاه، وإيلام): لديهم طقوس خاصة مثل "سيني تشيني" (عشاء العزاء). بعد الدفن، يُقام حفل في منزل المتوفى أو منزل أحد أقاربه بحضور الضيوف، ويُقدم الطعام المحلي مثل "كباب كردستاني"، "آش دوغ"، و"كوفته". كما يُقرأ الشعر المحلي الحزين خلال المراسم.
3_السكان في خوزستان (المناطق الجنوبية): عند الوفاة، يسعى أفراد الأسرة إلى دفن المتوفى بسرعة. في بعض القبائل العربية، يُقام خيمة للعزاء وتمتد مراسم الحداد لعدة أيام. 4_ السكان في شيراز: تشمل بعض المراسم تقديم الأطعمة المحلية مثل "آش رمان" (شوربة الرمان).
5- السكان التركمان (شمال شرق إيران): من التقاليد عدم وضع المجارف والأدوات المستخدمة في حفر القبر بشكل أفقي على الأرض، بل تُوضع بشكل عمودي على جدار المنزل بعد انتهاء الدفن. عند حضور مراسم قراءة الفاتحة والعزاء، يضع الأقارب المقربون للمتوفى قبعات أو "عرق تشين"، بينما لا يُفرض ذلك على باقي الحاضرين. من العادات المهمة تقديم أطعمة خاصة مثل "بولو" المصنوع من التمر واللحم، بالإضافة إلى الشاي التركماني والحلويات المحلية أثناء مراسم العزاء. هذه الاختلافات تعكس ثراء التنوع الثقافي والإقليمي في إيران، وتُظهر كيف تتكيف الممارسات التقليدية مع العادات المحلية لكل قومية ومنطقة.
نصائح مهمة للمشاركة في مراسم العزاء الإيرانية
إذا كنت تحضر مراسم العزاء الإيرانية للمرة الأولى، فإن الالتزام بهذه النصائح يعكس احترامك للمناسبة: 1- الملابس المناسبة: ارتدِ ملابس داكنة وبسيطة (عادةً سوداء أو رمادية). 2- الأحذية: استخدم أحذية مريحة وبسيطة. 3-تقديم التعازي: يمكن الاكتفاء بعبارات بسيطة مثل: "أعزيكم"، "رحمه الله"، أو "أتمنى لكم الصبر والعزاء". 4-مدة البقاء: لا حاجة للبقاء لفترة طويلة؛ حضورك القصير كافٍ للتعبير عن تعاطفك. 5-الهدايا: في بعض المناطق، من الشائع تقديم باقة زهور، أو مساعدة مالية للعائلة لتغطية نفقات المراسم، أو إرسال الطعام لهم.
الكلمة الأخيرة:
الطقوس المرتبطة بالوفاة في إيران تعكس بالأساس الترابط الاجتماعي وأهمية الأسرة والمجتمع في ثقافة هذا البلد. ورغم أن بعض التفاصيل قد تتغير مع الزمن، فإن جوهر هذه الطقوس، أي "التعاطف والذكرى"، يظل ثابتًا. من خلال فهم هذه التقاليد الإيرانية العريقة، يمكننا التعاطف بشكل أفضل مع الأسر المفجوعة وإظهار احترامنا للثقافة الغنية لهذه الأرض.