borj

مسجد جامع تبريز: كنزٌ تاريخي في قلب مدينة الأوائل

المقدمة

تبريز، المدينة العريقة ومهد الحضارة والثقافة في أذربيجان، تحتضن أحد أروع الشواهد التاريخية والمعمارية في إيران:** مسجد جامع تبريز**، الذي يُعرف أيضًا باسم المسجد الكبود أو مسجد گوی (المسجد الأزرق). هذا المسجد ليس مجرد صرح ديني، بل وثيقة حيّة تسرد تاريخًا حافلًا بالتحولات، ورمزًا للصمود أمام الكوارث الطبيعية والبشرية، وتجسيدًا للفن الإسلامي في أبهى صوره. وإذا كانت تبريز ضمن خطط سفرك، فسيساعدك هذا المقال من «إيران الیوم» على التعرف إلى هذا المعلم الفريد وزيارته.

تاريخٌ حافل وتقلبات كثيرة لمسجد جامع تبريز

يُعرف مسجد جامع تبريز أيضًا بأسماء أخرى مثل المسجد الجامع الكبير أو مسجد الجمعة. وتشير المصادر التاريخية إلى أنّه كان في بداياته مكانًا للصلاة يُسمّى “جامع تبريزي”، ثم توسّع تدريجيًا عبر السنين حتى أصبح يُعرف بالمسجد الجامع. يعود تشييد المسجد إلى عهد القراقويونلو، بأمر من أبو المظفر جهانشاه في القرن التاسع الهجري (نحو سنة 870 هـ). وقد كان المسجد في أوج مجده مجمّعًا معماريًا كبيرًا يضم مسجدًا وخانقاهًا وصحنًا واسعًا ومكتبة وغيرها من المنشآت. وفي عام 1087 هـ، أشار حاج طالب خان التبريزي—وهو باني مدرسة طالبية—في وقفيته إلى المسجد باسم المسجد الجامع الكبير بتبريز. إلا أنّ هذا الصرح المهيب تعرّض لكارثة كبرى بعد زلزال سنة 1193 هـ الذي دمّر أجزاءً واسعة من تبريز، ولم يبقَ من المسجد إلا المدخل الرئيسي وجزء من قواعد المآذن وبعض الجدران. لكن قصة المسجد لم تنتهِ. فقد بدأت أعمال الترميم منذ العهد القاجاري واستمرت خلال العقود الماضية بدقة وعناية كبيرة، حتى تم استعادة جزء مهم من جماله السابق، لنراه اليوم شامخًا من جديد.

خصائص العمارة في مسجد جامع تبريز

يبلغ طول المبنى الرئيسي للمسجد نحو 62 مترًا، ويضم في داخله فضاءً وسطيًا بطاق شاهق يبلغ عرضُه 15 مترًا. وينقسم المسجد إلى جناحين: الجناح الشمالي: بطول 28 مترًا وعرض أقل. الجناح الجنوبي: بطول 32 مترًا. يتخذ مبنى المسجد شكل مستطيل، وتم تشييده باستخدام الآجر (الطوب) والجص.

يضم المسجد عدة أقسام رئيسية:

صحن مستطيل الشكل المصلى بوابتان للدخول ردهات مسجد "آلچاق" أو المسجد الشتوي يحتوي المسجد على خمسة طواق موزعة في جميع أقسامه باستثناء الجهة الشمالية. وتشير إحدى النظريات القوية المدعومة تاريخيًا إلى أن هذه الطواق أُضيفت خلال العهد القاجاري. يقع المسجد الشتوي خلف الجدار الشرقي للمسجد الجامع. وهو فضاء كبير ذو إضاءة خافتة، يضم 10 أعمدة وطواق آجريّة ضربية. يضم المسجد ثلاث كُتُبَات، من أبرزها كتيبة تعود لعام 1106 هـ، وفيها أمر ملكي بإغلاق محلات بيع الحشيش، وبيوت الدعارة، ومقار القمار. كما تضم تعليمات تُلزم الناس بالامتناع عن ممارسات مثل اللعب بالحمام، سباق الذئاب، مصارعة الأكباش والثيران لما تسببه من اضطراب وخصومات بين الأهالي، مع التهديد بمعاقبة المخالفين. الفارق الواضح بين ضخامة المنارات وارتفاعها مقارنةً بالقبة يمنح المسجد طابعًا بصريًا مميزًا. من أبرز عناصر الجذب في المسجد النوافذ والأرسيّات (الأطر الخشبية الملوّنة). وعندما تخترق أشعة الشمس هذه النوافذ، تنعكس ألوان خلابة تجعل الدعاء والزيارة تجربة روحانية مميزة.

في محيط المسجد تقع مدرستان تاريخيتان:

مدرسة طالبية من الجهة الشمالية مدرسة جعفرية من الجهة الشرقية ما يجعل المسجد الجامع تبريز مشهورًا عالميًا هو السيراميك المعرّق وزخارفه الفيروزية واللازوردية الساحرة، والتي جعلته يُعرف أيضًا باسم المسجد الأزرق.

معلومات وحقائق مثيرة حول مسجد جامع تبريز يقع المسجد داخل النسيج العمراني للمدينة بطريقة فريدة، حيث تُحيط به أروقة وبازار تبريز الشهير من جميع الجهات. تتميز أعمدة المسجد بقطرها الكبير وعددها الكبير داخل الصحن، وقد صُممت بهذه الطريقة لتتحمل وزن السقف وتوفر مقاومة عالية للزلازل. تتمتع الزخارف الجصية داخل المسجد بكونها ملونة، متداخلة، وثلاثية الأبعاد، وهو أسلوب فني كان شائعًا لمدة تقارب ثلاثة قرون. هناك كتيبة بخط كوفي مميزة فوق أحد الطواق، وتعود إلى العهد المغولي. إحدى الكتابات محفورة على لوح من الرخام، وتروي قصة أحد أحلام ملوك إيران قديمًا. رغم عظمة المسجد وتاريخه، إلا أن الزائر يلحظ البساطة والبعد عن المبالغة في الزخرفة في معظم أجزائه، فلا يشاهد الكثير من النقوش أو أعمال النحت.

لماذا يُعدّ زيارة مسجد جامع تبریز تجربة لا تُنسى؟

1.عالَم مثالي لعشّاق التصوير فضاء المسجد الداخلي والخارجي، مع ألوانه السماوية وزخارفه الدقيقة، هو جنّة للمصورين. كل زاوية فيه تتحول إلى إطار فني جاهز لالتقاط أجمل الصور. 2.سفرة عبر الزمن الوقوف تحت قبة المسجد يعيدك إلى القرون الماضية، إلى فترة ازدهار الفن والعمارة الإسلامية في إيران. هنا، لا تشاهد التاريخ فقط… بل تعيشه. 3.طمأنينة روحية استثنائية على الرغم من كثرة الزوار، يظل المسجد مكانًا يغمره السكون والسكينة. يمكنك الجلوس في إحدى زواياه والاستغراق في هدوئه وروحانيته الفريدة. 4.موقع استراتيجي قريب من أهم معالم تبریز يقع المسجد في مركز شهر تبریز، وعلى بُعد خطوات من بازار تبریز العالمي، مقبره‌الشعرا، وبيت مشروطه. لذلك، يمكن زيارة عدة مواقع شهيرة في يوم واحد بسهولة.

نصائح مهمة قبل زيارة مسجد جامع تبریز

العنوان: خیابان شهید مطهری، انتهای بازار تبریز، ضلع جنوبی صحن مدرسه طالبیه، بین مسجد حجت‌الاسلام و مسجد میرزا اسماعیل خاله‌اوغلی.

كيفية الوصول:

يمكن الوصول إلى المسجد بواسطة: الحافلات العامة (محطة قريبة من الموقع) سيارات الأجرة المركبات الخاصة (مع الانتباه لازدحام وسط المدينة وقلّة مواقف السيارات)

ساعات الزيارة:

عادةً من الساعة 8 صباحًا حتى 8 مساءً، وتتغير في أيام العطل والمناسبات. يُفضّل التأكد من الأوقات قبل الذهاب.

الالتزام بالزي المناسب:

نظرًا لكون المسجد مكانًا للعبادة، يجب الالتزام بارتداء الحجاب للنساء وملابس محتشمة بشكل عام.

أفضل وقت للزيارة:

الربيع وأوائل الخريف بسبب الطقس المعتدل. كما أن مشاهدة المسجد ليلًا مع الإضاءة تضفي عليه منظرًا مدهشًا لا ينبغي تفويته.

الكلمة الأخيرة

مسجد جامع تبریز (مسجد کبود)، ليس مجرد بناء تاريخي، بل هو قصيدة حجرية ملوّنة بالأزرق اللازوردي، تقف شامخة على صفحات تاريخ المدينة. زيارتك لهذا المسجد هي رحلة إلى عمق الإيمان والفن والثقافة، وتجربة لا تكتمل رحلتك إلى تبریز بدونها.

مشاركة:

أضف تعليقا


تعلیقات (0)

المحتوى المشترك

السياحة الدينية في إيران: من المزارات المقدسة إلى التعايش بين الأديان

السياحة الدينية في إيران: من المزارات المقدسة إلى التعايش بين الأديان

2025, Sep 13